الأحد، 29 أبريل 2012


رعاية المسنين والنظريات العلمية :
إن العناية بالدراسة العلمية للشيخوخة والهرم تعتبر من ظواهر القرن العشرين، حيث بدأ الاهتمام بهذا النوع من الدراسة من جانب علم الشيخوخة وعلم الشيخوخة الاجتماعي منذ الخمسينيات في المجتمع الأمريكي . وذلك بفعل التغيرات الهائلة التي حدثت في نسيج النظام الاجتماعي والاقتصادي الأمريكي آنذاك . فمع تفتت الأسرة كنواة اجتماعية، برزت هذه المشكلة في المجتمع الأمريكي، لذلك توجهت التخصصات العلمية الاجتماعية لدراستها ووصفها، والوصول إلى حلول علمية لها تنسجم والمتغيرات الاجتماعية الجديدة .
وطرحت في الساحة العلمية ثلاث نظريات فيما يخص المسنين والرعاية الاجتماعية. وهذه النظريات هي الآتي:
@ نظرية فك الارتباط : وهي من أقدم النظريات في علم الشيخوخة، وتنص على أن عملية التقدم في السن باعتبارها تتضمن بالضرورة تقليص النشاط أو الانسحاب الذي لا بد منه من جانب المسن، الأمر الذي يؤدي إلى الحد تدريجيا من تفاعله مع المحيطين به في الوسط الاجتماعي . فالانسحاب يحرر المسن من الضغوط التي يفرضها عليه المجتمع من أجل الاستمرار في الإنتاج، كما أنه يهيئ الفرصة للأجيال الشابة لكي تحل محل المسنين وتقوم بالأدوار المطلوبة .
أثارت هذه النظرية كثيرا من الجدل، وكانت عرضة لانتقادات شديدة على أساس أن حتمية فك الارتباط أو الانسحاب أمر غير مقبول .
إضافة إلى أن الاتجاه السائد اليوم في المجتمعات المعاصرة على خلاف ذلك . حيث يشجع المسنون على الاعتماد على الذات والاندماج في الحياة وممارسة الأنشطة لأطول فترة ممكنة . وإنه ليس من مصلحة المسنين تحقيق هذا الانسحاب
فالهرم ليست نشاطا دائما، وليست انسحابا تاما من الحياة . وإنما هي مرحلة من مراحل عمر الإنسان . ينبغي أن تستثمر في العبادة وفعل الصالحات وممارسة الحياة بما يناسب الوضع النفسي والجسدي للإنسان الذي وصل إلى هذه المرحلة من العمر.
فالانسحاب من الحياة بدعوى الهرم وكبر السن، يفضي إلى ضياع الوقت وبالتالي جزء من عمر الإنسان فيما لا فائدة منه.
@ نظرية النشاط : وظهرت هذه النظرية في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، وتقوم على التسليم بأن للمسنين نفس الحاجات الاجتماعية والنفسية المرتبطة بممارسة الأنشطة المختلفة، مثلهم في ذلك مثل الفئات العمرية الأخرى
والعمل الشاق الذي لا يتحمله الإنسان الشيخ والمسن أيضا فيه ظلم إلى الإنسان وذلك لأن لبدنك حقا عليك
فالشيخوخة المتاخرة السوية تتطلب المحافظة على مختلف الأنشطة والاتجاهات التي سادت في حياة المسن في أواسط العمر وذلك لأطول فترة ممكنة . وبناءً على هذه النظرية يصبح السبيل إلى هرم ناجح، هو المحافظة على أعلى درجة من النشاط . إذ كلما تدنى هذا النشاط، انعكس سلبا على التكيف مع الحياة، وما يترتب على ذلك من عدم إحساسهم بالنفع وبالتالي عدم رضائهم عن تلك الحياة .

@ نظرية الاستمرار:
وتقوم على الجمع بين الاستمرارية في عملية التنشئة الاجتماعية وبين مفهوم مراحل الحياة في علم نفس النمو، ليصبح جوهر النظرية هو استمرار أنماط السلوك في مراحل العمر المتتالية. ويرى أصحاب هذه النظرية من علماء الاجتماع أن تجارب الفرد في مرحلة ما من حياته تعد للدور أو الأدوار المطلوبة منه في المرحلة التالية، بل إن تربية الأطفال تسهم في استمرار عملية التنشئة الاجتماعية، من خلال إعداد الطفل للمراحل المتعاقبة من الحياة . وبناء على ذلك يفسر أصحاب النظرية ما قد يصاحب التقاعد من مشكلات، على أساس أن التقاعد لا يحقق الاستمرار، بل قد يعد انقطاعا عن مراحل العمر السابقة (توقف العمل كدور هام في الحياة، عدم الحاجة إلى مهارات العمل، ضعف دوافع الإنجاز والنجاح). .

حوادث ودلالات


وتروي كتب السِّيَر حوادث عديدة تأكيداً لذلك، فهذا أبو الطيب الطبري قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله فركب مرة سفينة فلما خرج منها قفـــز قفـــزة قـــوية لا يستطيعها الشباب فقيل له: ما هذا يا أبا الطيب؟ فقال: ولِمَ؟ وما عصيت اللّه بواحدة منها قط، وعلى العكس من ذلك رأى أحد السلف شيخاً يسأل الناس فقال: إن هذا ضيع اللّه في صغره، فضيعه اللّه في كبره.

إن المسلم المؤمن الحافظ لحدود اللّه الحافظ للقرآن لا تصيبه المتغيرات التي تحدث للإنسان في مرحلة الهرم ، وإن حدثت فهي أقل ولا شك مما يصيب الآخرين، أو تتأخر فلا تحدث إلا في آخر أيامه ويظهر وكأنه لم يصب بها.
-       والاستفادة من حرص أفراده المجتمع على الخير، وبخاصة ما كان متعلقاً بالبر بالوالدين في حياتهما وبعد وفاتهما، وصلة الأرحام وخطورة القطيعة بين الأقارب، وأهمية التزاور الأسري المتبادل بين أفراد المجتمع.

الاستعداد لمرحلة الهرم
من الملاحظ أن الخطوات التي جعلها الإسلام لمواجهة مرحلة الهرم تنقسم إلى قسمين،
 أحدها يتم في مرحلة الهرم نفسها، بحيث يتكيف معها أو بعضها.
وجماع ذلك كله تقوية العلاقة التعبدية مع الله عز وجل فقد تكفل الله بالحفظ العام للمسلم الفاعل للخيرات في حياته الدنيا. قال تعالى:
وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين 30
ولعل مما تحسن الإشارة إليه   ضرورة التوسع في نشر مبدأ الاستعداد لمرحلة الهرم التي قد يصلها بعض المسلمين،
**وينبغي أن تكون أطروحات هذا الاستعداد متنوعة وشاملة فهناك الاستعداد:
 الاجتماعي، والنفسي، والصحي، والاقتصادي. وربط أفراد المجتمع بقيم الإسلام، وإعادة الحيوية والقوة لهذه القيم كما كانت في العصور الإسلامية الزاهرة، مع تواصل الحث الجاد على ضرورة التمسك بتعاليمه وقواعد الدين
- والثاني وهو الغالب يكون القيام به من قبل المسلم في مرحلة مبكرة من عمره، وهذا يؤكد ضرورة الحث على استغلال المسلم لوقت شبابه وما يتمتع به من قوة في مرحلة الشباب بما يخدم ضعفه وعجزه في مرحلة الهرم إذا قدر الله ووصل إليها. والتركيز على مضمون الحديث الشريف الذي ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو قوله: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة.."(19)، وأن في الإسلام قاعدة مهمة وهي: أن جزاء الإحسان الإحسان، وتعزيز القيم الإسلامية في المجتمع،و قال الرسول صلى الله عليه وسلم " اغتنم خمساً قبل خمس حياتك قبل موتك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وشبابك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك " .


نتائج هذه التغيرات :
، إن التغيرات التي ورد ذكرها تترك أثراً مهماً على تصرفات الهرم ، إذ إن أغلب هذه التصرفات التي يمكن أن تلحظها على الهرم من سوء خلق أو سوء في التعامل قد يكون مرتبطاً بشكل جذري مع هذه التغيرات التي طرأت على حياته .
وهذا الكلام لا يعني أن كل ما ورد سابقاً يمكن أن تلحظه على الهرم ، إذ إن هذا الأمر يختلف من شخص إلى آخر ، نظراً لاختلاف الطباع والظروف الاجتماعية ونظرة الإنسان الهرم إلى نفسه وإلى هدفه من الحياة ، الهرم المؤمن ينصرف في هذا العمر إلى العبادة والتقرب إلى الله ويلتجئ إليه سبحانه بالدعاء من غير يأس وقنوط مصداقاً لقوله تعالى : (
يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) ، بينما الهرم المقصر في عبادته غير الواثق بمعية الله عز وجل يعيش مع أمراضه وهمومه ويمضي وقته متحسراً على ما مضى من عمره .
وهذا التغير بين الهرم وآخر يمكن أن نلحظه أيضاُ بين الهرم المتعلم والهرم الجاهل ، بين الهرم الذي يتمتع بجو عائلي محب وبين الهرم الذي يعيش وحيداً مع زوجه، وهناك أيضاً فرق شاسع بين الهرم يتمتع بحالة صحية جيدة وبين هرم مريض يعاني من تفاقم الأمراض .
لعلنا نلاحظ  أيضاً هذا الاختلاف بين تصرفات الهرم عمره ما بين الثمانين والتسعين وبين تصرفات هرم ما فوق التسعين ,إن عملية توافق الهرم مع بيئته ووضعه الجديد لها عوامل عديدة أهمها إحساس الهرم بأهميته وفعاليته داخل أسرته وبيئته ،من هنا نجد أن الهرم الذي يعيش في جو بيئة تحترمه وتوقره وتعطيه حقه في الاحترام والتبجيل وتدعو الناس إلى استشارته في مختلف الأمور ، يشعر أكثر بالتوافق الاجتماعي الضروري لطمأنينته وسعادته .
وبناء على ما سبق  نلحظ أن اطّلاِعنا على هذه التغيرات  يعين كي تفهم الهرم بشكل أفضل ، وجعلنا ندرك أن الشخص الذي أمامنا يحتاج إلى رعاية واهتماما وعطف أكثر من أي وقت مضى ، ذلك لأن التغيرات المذكورة وغيرها تجعله يتصرف تصرفات يجهل دوافعها وأسبابها في أغلب الأحيان ، وصدق الله تعالى القائل : : (والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً إن الله عليم قدير ) [1]


[1] ، النحل ، 70..

هضم حق الهرم الاجتماعي

وأصيبت المجتمعات المعاصرة بمرض اجتماعي ترك أثره على الهرمين، وهذا المرض يكمن في تفكك الروابط العائلية وتفرق أفراد الأسرة لأسباب متعددة كظروف العمل أو وهن الوازع الديني والخلقي وضعفه، وهذا التغير كان له أكبر الأثر السلبي على حياة الهرمين الذين يعانون الوحدة والفراغ، أو يعانون في بيوت العجزة ودور المسنين، وهذه جريمة في حق المجتمع وفي حق بعض الأفراد الذين قدموا جهوداً وأعمالاً كثيرة، فلا يكون جزاؤهم العيش بمفردهم يجترون آلامهم وأحزانهم بعيداً عن أبنائهم وأسرهم.
إن الهرم يعاني من توقف  لنشاطاته وانتهاء لحياة العمل والإنتاج، فمنهم من يحس بأن المجتمع لم يعد في حاجة إليه وأنه أصبح عبئاً ثقيلاً عليه، ويؤدي الفراغ الممل وعدم القدرة على العمل تدفعة إلى تمضية الوقت دون هدف سوى قضاء بقية حياتهم منعزلين عن النشاط الإنساني والاجتماعي. وغالباً ما يعجز الهرم عن مزاولة هواياته التي اعتاد مزاولتها في شبابه، بسبب تدهور حالته الصحية وابتعاد أصدقائه بسبب المرض أو الموت، وهذا يزيد من شعوره بالفراغ والملل والضيق.
وفي المجتمعات الصناعية يضطر الهرم إلى العيش وحيداً وبعيداً عن المجتمع، بسبب عدم تكيفه الفكري مع ظروف البيئة وإكثاره من التحدث عن الماضي والأيام الغابرة، ومع مرور الوقت تقل القدرة على التحكم العاطفي والسلوك الانفعالي، وقد تصل إلى درجة النكوص العاطفي الى ما كانت عليه في زمن الطفولة، فنجد الهرم سريع الغضب والبكاء لأتفه الأسباب
وقد يصل به العناء الانفعالي إلى درجة الامتناع عن الطعام وإلحاق الضرر بنفسه، وأحياناً يؤدي التدهور في القدرات العقلية وضعف التحفظ في السلوك الاجتماعي إلى تصرفات غير مسؤولة: «هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخاً ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلاً مسمى ولعلكم تعقلون» [1]، «والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئاً إن الله عليم قدير». [2]


[1] سورة غافر67

ماذا يمكن أن يقدم للهرم؟؟

-       - التفاعل الاجتماعي : وهي الصور التي يقدمها المجتمع للهرم من تعبير وأفعال .
-
الشعور الذاتي : على الرغم من أي التعريفات الاجتماعية تسهم في الوعي بالعمر , الا أن المحكات الذاتية أو السيكولوجية هي الأهم  فاعتقاد الشخص أنه ليس في حاجة للاعتماد على أحد (الاستقلال ) تعد مؤشرات على عدم الشعور بتدهور  وفيها إنكار لأثر التقدم في السن , وهؤلاء الأشخاص الذين لديهم مثل هذا الاتجاه لا يتأثرون نسبياً بقلة الحركة , فهم لا يشعرون بالهرم إلا إذا سقطوا صرعى المرض أو تعرضوا لمشكلة توافق صعبة مثل وفاة شريك العمر
- تحتاج خدمات الصحة النفسية للمسنين لحسن التوجيه نفسياً ومهنياً واجتماعياً للوقاية من مشكلات منظورة قبل وقوعها أو لعلاج مشكلات قائمة يعاني منها المسنون.
- لا يتعرض كل هرم لمشكلات
-.المشكلات نفسها متنوعة ومنها البسيط العابر أو الطارئ الذي يزول بالعلاج . وعدد كبير من الهرمين عرضة لمشكلات مزمنة ولابد لهم من معايشتها بصبر وهدوء للتخفيف من أضرارها.

-  وهناك مشكلات نفسية  نتيجة لضعف الحواس وضعف الانتباه وعدم القدرة على التركيز ، مما يضعف المدركات بالإضافة إلى ضيق الاهتمام وإلى ضعف الذاكرة وتشتتها وسرعة النسيان مما يجعل الفرد يتمركز بشكل محوري في تفكيره حول شيء مما يبدو شبيهاً بالوسوسة أو الهلوسة
:
- شدد الإسلام على وجوب احترام المسن وذَكر حيث يعود الهرم  ليصبح كالأطفال يحتاج للعناية والاهتمام ، وقد سمى الله سبحانه وتعالى هذه المرحلة من العمر بأرذل العمر، قال تعالى واصفاً هذه المرحلة: ( والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً إن الله عليم قدير)
[1]



[1] ، النحل ، 70.



سمات هذه المرحلة كما ذكرها العالم أريكسون
قبل موت العالم  أريكسون في سنة 1994م وعندما كان عمره 91 سنة أضاف مرحلة تاسعة إلى نموذجه وهي مرحلة دنو الأجل.و شرح بعض سمات هذه المرحلة فقال أن التحدي في المرحلة التاسعة يتمثل في مواجهة القنوط ففي المرحلة الثامنة يظهر هذا التحدي ويصاحب المرحلة التاسعة خاصة مع ظهور العجز في الجسد وفقد القدرة على أداء بعض الأعمال. الصراع في هذه المرحلة بين الثقة بالنفس وبين ضعف الثقة بها. الأمل لا يستطيع إزالة حدة التأزم النفسي في هذه المرحلة (Parkay & Stanford, 2001, p. 291 ).
من الملاحظ أن أريكسون تحدث في نظريته عن دورة الإنسان في الحياة من المهد إلى مرحلة أرذل العمر وحدد في كل مرحلة من المراحل العمرية السابقة مخرجات إيجابية وسلبية. وتظل الصراعات النفسية واجتيازها من أساسيات نظرية أريكسون في كل مرحلة من المراحل. وحسب نظريتة، فإن هناك تسع مراحل لنمو الفرد منذ الميلاد وحتى دنو الأجل. ناتج النمو الصحيح [1] (الرشيدي والخليفي، 1997م، ص 469)
[1]هو التدرج في اكتساب المهارات التالية: الثقة، التحكم بالجسد، المبادرة، المثابرة، الاستقلال، تكوين علاقات اجتماعية ناضجة، العطاء، الحكمة، مواجهة الضعف بالثقة. النظرة المُتفحصة لنظرية أريكسون ترشدنا إلى مفهوم الأمل الذي يبدأ مع الطفل من البداية ويمكن أن يَضعف هذا المفهوم في وجدان الإنسان في النهاية حينما يصل المرء إلى مرحلة دنو الأجل ثم مرحلة أرذل العمر